المتتبع للمسار السياسي لحزب العدالة والتنمية، منذ حملته الإنتخابية لمجلس النواب يستخلص ثلاثة امور أساسية، تشبه في عمقها ومغزاها كتاب "مكيافيلي" الشهير والذي يبرر الغاية بالوسيلة.
فقبل سنة من الآن، كنا نسمع عن حزب اسلامي اسمه العدالة والتنمية بالكاد يريد أن يبين للمغاربة انه نظيف سياسيا وحزب مظلوم، ومغبون، ويدافع عن الناس في كل بقاع الدنيا، حزب وديع يريد ان يجعل من المغرب الأقصى جنة تجري من تحتها الأنهار، ولكي يعطي قادة الحزب لأنفسهم قداسة ورهبة فقد صوروا أنفسهم ملائكة لايقربون الفاحشة، وأن محاربة الفساد والإستبداد هو هدفهم. وفي الجهة الأخرى شبهوا المغرب على انه ماخور كبير، تحكمه عصابات، وان حزب العدالة هو القادر على محاربتهم، تماما كما في الرسوم المتحركة، يصورون انفسهم خيرا والآخرون شرا.
كانت هذه هي الخطة رقم واحد، فإذا نجحت ونالوا هذه الورقة، انتقلوا الى الخطة رقم اثنان.
وفعلا تسنى لهم ذلك نظرا لعدة اسباب ذاتية وموضوعية لاداعي للخوض فيها في هذا المقال المقتضب، لكن الخطة الثانية ستكون مفاجئة للجميع.
فقد تظاهر حزب العدالة والتنمية بعد توليه رئاسة الحكومة، انه حزب وطني ويريد الخير للبلد، وأن شعاراته الإنتخابية كانت فقط من أجل تهييج الناس للتصويت عليه.
وأظهر السيد بنكيران أنه يمكن معاشرته اقتصاديا في إطار التغيير داخل الإستقرار، ومما زاد من تفاؤول الإقتصاديين المغاربة، أنه اجتمع في أكثر من مناسبة مع السيد حوراني الرئيس السابق للباطرونا، يحاضر الى جانبه ويتماشى معه في كل تصوراته الإقتصادية، حتى انه هو من نصحه بأن لايرفع الحد الأذنى للأجور الى ثلاثة آلاف درهم خوفا من كساد الإستثمارات وهروب رؤوس الأموال الأجنبية.
الخطة رقم اثنان لم تنته، حيث سيتراجع بنكيران على ازيد من ثمانين في المائة من الشعارات الانتخابية التي اوصلته الى الحكومة، وتبدأ شعبيته في الاندحار وتنطلق خيبات الأمل في صدور من صوتوا عليه، ومما سيزيد الطين بلة، هي الزيادة الأخيرة في اسعار المحروقات والخضر والغاز، وهنا سيكون بنكيران وإخوانه المسلمين مضطرين الى المرور الى خطة رقم ثلاثة لإنقاذ ماء الوجه.
الخطة رقم ثلاثة، لاتتطلب جهدا كبيرا، فهي تعتمد على إحراق المحاصيل، تماما كما دأب المستعمر على معاقبة القبائل التي لم ترضخ لسياسته، وهنا جند حزب العدالة والتنمية جيوشه الخفية، وأدرعته الإعلامية المختبئة بيننا منها الإلكترونية، والتي تعد بالعشرات، والصحف الانتهازيية مثل صحيفة يومية معروفة بارتزاقها وتحولاتها الحربائية، لتنطلق الحرب ضد الجميع، وتبدأ بنشر وثائق إدارية. المغزى منها ليس محاربة الفساد والإستبداد، وإنما التغطية على فشل الحزب في تدبير قطاعات حيوية، وتثبيت نظام الرعب داخل الأوساط الشعبية، وكان اول شئ تقوم به الحكومة هو تسريب وثيقة للسيد مزوار وزير المالية السابق نشرتها جريدة "أخبار اليوم المغربية" تخص تعويضات سنها القانون.
الحرب كانت لها ابعادا سياسية، ديماغوجية، فهي تغطي اولا على فشل حزب طالما هلل للعيش الكريم للمغاربة، ثانيا: إلهاء الشعب المغربي عن حرقة الزيادة الصاروخية التي اعتمدها عبدالاله بنكيران وإخوانه، ثالثا: وهذا هو الأهم، الضرب في حزب منافس وتوسيخه أمام الرأي العام حتى يسهل تحطيمه ليدخل فاشلا للإنتخابات الجماعية، مما سيمكن العدالة والتنمية من السيطرة على البلاد والعباد.
إن حزب العدالة والتنمية، ولحد الساعة لم يتبث أنه حزب وطني ومسؤول، وأن اللعب بالشعارات واستعمال جرائد ومواقع معروفة بانتهازيتها في الحرب القذرة ضد رجالات الدولة لن ينفع البلاد في شيء، وأن الخاسر الكبير من كل هذه العمليات الدونكيشوتية هو العدالة والتنمية نفسه.
العدالة والتنمية في حربه التي يمكن ان نطلق عليها حرب قذرة، شرعوا في استعمال بعض مناضليهم، والمتعاطفين معهم في عمليات سرقة الوثائق داخل مؤسسات الدولة.
فالتحقيقات جارية حسب ما يروج داخل وزارة المالية للكشف عن المتورطين في عمليات تهريب وتسريب وثائق ذات طابع تحفظي الى الصحافة من أجل خدمة أجندة سياسية معروفة.
فاستعمال إطار كبير يعمل بوزارة المالية في سرقة وتهريب وثيقة مثل التي تم نشرها بجريدة "اخبار اليوم المغربية"، يعني شئ واحد هو أن الحكومة اصبحت تشتغل بعقلية العصابات الخطيرة. وليس بمنطق الدولة التي لها عدالة وقانون ودستور.