هل كان الهمة ضحية المتملقين الذين أفسدوا علاقاته مع الجميع؟

 


موحى الأطلسي *

 

 يشرع الوضع الصعب الذي يعيشه حزب الأصالة والمعاصرة، في الوقت الراهن، أكثر من باب للتساؤل عن العوامل والمسببات التي أوصلت هذا الحزب،الذي هيمن على الساحة على امتداد الثلاث سنوات الأخيرة ، إلى نفق المجهول.

 

استقالة مؤسس الحزب و"عرابه" فؤاد عالي الهمة من لجنتين تنظيميتين، حولت فضاء هذا المكون الحزبي إلى ما يشبه بالمأتم، بعد أن ضاعت البوصلة،  وتاهت بعدد من قيادييه ومناضليه السبل وانتابتهم  الحيرة في اختيار الوجهات والدروب.

 

غياب الهمة التدريجي عن الساحة و قراره الأخير، كانا وراء الإعلان جهرا عن الصراع الدفين الذي تولد، منذ التأسيس، بين المستقطبين من أحزاب عبد الله القادري وشاكر أشهبار ونجيب الوزاني و "مناضلي" اليسار القدماء الذين حاولوا فرض وصاية على مسار الحزب بتوجيهات ضربات من تحت الحزام إلى من يعتبرونهم "التائبين من مستنقع اليمين الرجعي".

 

وإذا كان هذا الصراع الداخلي المبكر، داخل جسم الأصالة والمعاصرة، قد كلف القادري ونجيب إعادة تسمية حزبيهما القديمين، فإن تحركات شاكر طاهر القادم من الحزب الوطني الديمقراطي سابقا  والمجموعة التي معه، ستنحو بالحزب في منحى قد يعصف بما حققه  في ظرف وجيز.

 

لكن أي دور للهمة في ماجرى؟ وما هي حدود مسؤوليته عن هذا المآل؟

 

بعيدا عن الأحكام القيمة الجزافية التي انطلقت مع حركة 20 فبراير، والتي حولت، بدون أي دلائل مقنعة، الهمة إلى "العدو رقم 1"، يجب إحكام المنطق واعتماد التحليل الموضوعي لمسار حزب ارتبط، شئنا أم أبينا ذلك، بشخص.

 

ليس من أهداف هذا "التمرين التحليلي" الدفاع عن الهمة، لأن هذا الأخير قادر على القيام بذلك، و لكن الهدف يمليه الحرص على محاولة فهم ظاهرة سياسية طبعت المشهد السياسي المغربي وأخذت  من بلادنا وقتا كبيرا و طاقات تفكير منشغلة بمبادرة مجتمعية ذات طبيعة سياسية ، لتكون المحصلة، ربما، مخيبة وفاشلة في نهاية المطاف.

 

 لقد كانت فكرة إعادة هيكلة وتأهيل الحياة الحزبية في بداياتها كانت جد مقبولة، بحكم انبنائها على عدم الاستكانة إلى الواقع  والعمل على استنهاض الإرادات الحسنة في هذه البلاد من أجل إحداث قطيعة نهائية مع ممارسات ميعت الفعل السياسي في بعده النبيل، في مقاربة تسعى إلى تأهيل الجسم السياسي المغربي دون السقوط في مطب الإقصاء و غرور ادعاء التفرد أو الانفراد بالقدرة على التغيير. 

 

وبالعودة إلى نقطة الانطلاقة، أحدثت طلب فؤاد عالي الهمة إعفاءه من منصب الوزاري في الداخلية رجة في البلاد ، كما تابع الجميع ترشحه لانتخابات شتنبر 2007  في ظل أجواء من التشويق.

 

ولقد كان تواجده بالبرلمان قمينا بإعطاء العمل البرلماني قيمة إضافية، بحكم وضعه الاعتباري كصديق للملك ورفيق له في المدرسة المولوية. 

 

كان المطلوب أن يكون الوضوح اختيارا حاسما منذ البداية، و أن يتم  الكشف عن طبيعة و غايات خروج فؤاد عالي  الهمة إلى المعترك الحزبي، باعتبارها دعوة صريحة إلى الانخراط الحقيقي والصادق في تفعيل الإشارات القوية التي مافتئ جلالة الملك محمد السادس يعبر عنها في مختلف خطبه منذ اعتلائه العرش.

 

و كان على فؤاد عالي الهمة تفادي أسلوب نقطة نقطة“goutte à goutte” المعتمد في السقي في تسويق مبادراته، لاسيما ألا احد يمكن أن يتهمه بالانتهازية أو الوصولية، مادامت الأقدار قد سخرت له سبل الوصول إلى أقصى ما يمكن أن يحلم به كل مغربي( نيل ثقة الملك و الاشتغال بقربه).

 

 انتهاج أسلوب نقطة نقطة المنتهج( الإعلان عن عدم وجود أجندة محددة، تأسيس حركة لكل الديمقراطيين، ثم التردد في  تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، الخروج إلى المعارضة مع بقاء خشيشن في الحكومة,,,,) ، لم يعمل سوى على تكوين حكم، بهيمنة الارتباك والحيرة على المبادرة، علاوة على تشتيت قابلية الفهم لدى الرأي العام الشعبي المفترض أنه هدف وجوهر ومحرك المبادرة.

 

غياب الوضوح وضبابية الخطاب ليسا وحدهما من ساهما في تحجيم  فكرة ترمي إلى استنهاض حماس و إرادة المغاربة، بل تمثل الخطر الأكبر في  فلول الانتهازية الصغرى والكبرى التي تسللت إلى محيط فؤاد عالي الهمة و استشرت في هياكل الحزب.

الانتهازية الكبرى تمظهرت في ممارسات الباحثين عن الريع الاقتصادي، أما الانتهازية الصغرى فقد بدأ أصحابها يشتغلون في المناطق، باستعمال صور التقطوها مع الهمة للنصب على اليائسين المحبطين.

 

لذا كان على فؤاد عالي الهمة أن يجعل معركته الأولى محاربة الهالة و الصورة النمطية التي نجح المتملقون في إلصاقها به، و أن يرسخ فقط صورته كبرلماني وكمواطن متحمس لخدمة بلاده إلى جانب كل الغيورين على الوطن، و أن ينصب النقاش على الفكرة لا الأشخاص.

 

نستنتج  من خلال هذا "التمرين التحليلي" المبسط، أن الذين يحاولون إلقاء اللائمة كلها على الهمة مخطئون، فليس هذا الشخص كما يحاولون تصويره، بل يمكن من خلال تفكيك رسالة استقالته، إدراك مدى إحباطه من ممارسات أجهضت مشروعا عقد عليه كثيرا من الآمال.

 

فترى هل كان الهمة ضحية المتملقين إليه والذين  أفسدوا علاقاته مع باقي الأحزاب من عدالة وتنمية وحزب وطني ديمقراطي واستقلال واتحاد،خاصة أن كل قادة هذه الأحزاب بمن  فيهم  بنكيران يعترفون بصداقتهم مع الهمة وتقديرهم له؟

للحديث بقية …. والتطورات متسارعة!


  * باحث في السوسيولوجيا

تابع آخبار تليكسبريس على akhbar