اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.. قصة حضارة انبعثت من العدم

ثمانون عاما مرت على نهاية الحرب العالمية الثانية التي غيرت الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية للعالم، وكتبت التاريخ الحديث على مقاس نتائجها وإحداثياتها.

حرب اندلعت بين عامي 1939 و1945، وتعتبر الأوسع في تاريخ الإنسانية، غير أن الذاكرة الجماعية للشعوب تبدو في مجملها مطلعة بشكل أو بآخر على تفاصيل هذه المواجهة الدامية، خصوصا فيما يتعلق بهزيمة اليابان أو استسلامها جراء خطأ كارثي ألقى بظلاله على تطورات الحرب وغير مجرى التاريخ.

ومع أن الهزيمة خلفت بلدا متهاويا بين ركام وأشلاء الحرب، إلا أن نهضته من رحم ذلك الدمار المخيف بدا معجزة حولت المستحيل إلى منجزات مهدت طريق تصدره الدول المتقدمة في الكثير من المجالات.

اليابان والحرب.. انبعاث من العدم

يتفق العالم على أن اليابان تشكل إحدى معجزات القرن العشرين، سواء من ناحية خسارتها في الحرب العالمية الثانية بسبب خطأ تكتيكي فادح، أو من حيث انبعاثها من العدم، لتخرج من موتها السريري.

وتجبر مؤشرات اليابان على التشبث بالحياة قبل القفز إلى الصدارة، معتمدة في ذلك على إمكانيات ضعيفة لم يكن ليتوقع أكثر الخبراء تفاؤلا أن تقود نحو التقدم والازدهار الذي بلغته البلاد.

ليس ذلك فقط، وإنما نجحت في تجاوز كبوة القنبلتين الذريتين اللتين استهدفتا هيروشيما وناجازاكي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد شهر واحد من نهاية الحرب، وتحديدا في غشت 1945.

لم يكن السابع من ديسمبر 1941  يوما عاديا في تاريخ العالم، حيث استيقظت البشرية على وقع هجوم استهدف قاعدة “بيرل هاربر” البحرية الأمريكية التابعة لجزر هاواي بعرض المحيط الهادئ من قبل اليابان.

واعتبر الهجوم الياباني نصرا تكتيكيا، غير أنه لم يستمر طويلا، حيث تحول إلى فشل استراتيجي ذريع، بل أيقظ الهجوم الوحش الصناعي الأمريكي الذي لم يتردد في إعلان الحرب على طوكيو بعد يوم واحد من الاعتداء.

معجزة ما بعد الحرب

مع انهيار ألمانيا النازية، ودخول 4 دول لاقتسام كعكة برلين “فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي”، ووقوع الصين في براثن الشيوعية، بدا من الواضح أن الهدف التالي سيكون اليابان، وهذا ما حدث بالفعل، باستهدافها من قبل الأمريكيين.

وعقب توقيع إمبراطور اليابان وثيقة الاستسلام وتعيين الجنرال ماك آرثر حاكما للبلاد، انطلقت حقبة الاحتلال الأمريكي من 1945 إلى 1951، في واحدة من أسوأ حقب التاريخ الياباني، تلاها انهيار تام للاقتصاد، وتعطل كامل لدورة الإنتاج، ما أنذر بمجاعات واسعة النطاق.

بتلك المؤشرات، لم تكن المقاربة المنطقية للأشياء لتشي بأنه من الممكن على المدى المتوسط والبعيد أن يتمكن الاقتصاد الياباني من الانطلاق من جديد، لكن المفاجأة أنه استطاع لاحقا إحداث مفاجأة أثارت إعجاب العالم بأسره.

ففي فترة ما بعد انتهاء الحرب الكورية (1953) حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي لملمت اليابان جراحها، واعتمدت مقاربات سحرية أوصلتها لاحتلال المركز الثاني كأقوى اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة مباشرة بمعدل نمو مبهر.

لم يكن أمامها الكثير من الخيارات، بل كل ما توفر لسلطات هذا البلد المثقل بهزيمة الحرب كان خيارات قليلة وبديهية للتعامل مع وضع بالغ الصعوبة، فإما خفض قيمة العملة بشكل حاد، أو التقشف وانكماش الاقتصاد، أو أصعب الخيارات وهو زيادة الإنتاجية.

وبمرور الوقت، اتضح أن الخيار كان صائبا، حيث خرج العملاق الاقتصادي من رماد هزيمته، وبنى من ركامه ودماره صرحا يعتبر اليوم نموذجا يحتذى على مستوى العالم، حتى أنه كان من المعطيات التي قلبت مفاهيم اللغات، منحت مصطلح الهزيمة معناها الاصطلاحي العكسي، فيصبح الخاسر هو أكبر المنتصرين.

اليابان بعد الحرب العالمية الثانية تظل قصة حضارة انبعثت من العدم، ووصفة نادرة تقدم أسرار النجاح.

تابع آخبار تليكسبريس على akhbar