رغم تشكيل الحكومة.. جنوب إفريقيا تواجه رهانات صعبة التنفيذ في ظل حكم رامافوزا

إذا كان الإعلان عن حكومة جديدة في جنوب إفريقيا وضع حدا للتراشق العقيم بين الأطراف الرئيسية في حكومة الوحدة الوطنية، فإنه لم يبدد المخاوف بشأن التحديات الاجتماعية والاقتصادية العديدة التي يتعين التغلب عليها.

وشكل هذا الأمر لرئيس الدولة ورئيس حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم، سيريل رامافوسا، تمرينا محفوفا بالمخاطر، حيث كان مطالبا، عند تشكيل هذه الحكومة بعد الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا، باستخدام سلاح المناورة للحفاظ على منصبه، بخلاف ما كان عليه الأمر في عام 2018، عندما خرج منتصرا من الانتخابات وانتزع الرئاسة من جاكوب زوما الذي كان ملاحقا بفضائح فساد.

وقاد الرئيس رامافوسا مفاوضات عسيرة للتقريب بين وجهات النظر المتباينة وتحقيق التوازن بين مطالب حزبه وحلفائه الجدد بالحصول على مناصب وزارية رئيسية. وكان تأخير إعلان الحكومة مؤشرا على المصاعب التي ستعترض تنزيل البرنامج الحكومي.

ويرى البعض أن نتائج المفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية، في أعقاب الانتخابات العامة التي جرت في 29 ماي الماضي، والتي شهدت فقدان حزب المؤتمر الوطني الإفريقي أغلبيته المطلقة في البرلمان للمرة الأولى، قد أفرزت العديد من الحقائق.

شعبية الحزب الحاكم في تراجع حاد

من الواضح أن حزب نيلسون مانديلا خرج من انتخابات ماي 2024 ضعيفا وجريحا بعد أن أدار له ناخبوه التقليديون ظهورهم، إذ لم يحصل إلا على 40 في المائة من الأصوات، أي أقل من 50 في المائة لأول مرة منذ 30 سنة من السلطة المطلقة.

وهكذا، استهل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي التفاوض من موقع ضعف، مما يعني أن الوقت الذي كان يستطيع فيه الحزب التاريخي اتخاذ قراراته دون موافقة الأطراف الأخرى قد ولى منذ مدة. وحتى قبل هذه الانتخابات الحاسمة بالنسبة لمستقبل البلاد، قدم الحزب إشارات على أنه يسعى للبقاء في السلطة بكل الوسائل الممكنة، بينما الانقسامات داخله كانت جلية أكثر من أي وقت مضى.

وخلال مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، بدا الرئيس رامافوسا سخيا في منح المناصب الوزارية للأحزاب الصغيرة، في محاولة لضمان بقاء حكومته، من خلال استقطاب الدعم الواسع لهذه الأحزاب في الأوقات الصعبة.

وإذا كان رئيس الدولة قد عهد لحزب العمل الديمقراطي ببعض الحقائب الوزارية الرئيسية، فإنه نجح في إبعاد الحزب الذي كان قوة معارضة رئيسية في البلاد، عن القضايا الحساسة سياسيا كالدفاع والعلاقات الدولية والتجارة والصناعة والقضاء والتشغيل والصحة، وهي الحقائب التي احتفظ بها لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي.

وبقراءة أولية متأنية للترشيحات، يستشف أن رامافوسا سعى إلى حماية نفسه من الهجمات التي قد يواجهها من أحزاب المعارضة الغاضبة، وخاصة من حزب أومكونتو وي سيزوي (إم كيه) الذي أسسه حديثا جاكوب زوما، وحزب المقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية، وهما حزبان حلا تواليا ثالثا وربعا بـ 58 و39 مقعدا في البرلمان، وذلك أساسا كنتيجة للانقسامات داخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي..

ويبقى الترقب سيد الموقف لمعرفة كيف ستتعامل الحكومة الجديدة غير المتجانسة مع المشاكل العديدة التي يعاني منها البلد، وفي مقدمتها تهالك الاقتصاد، وتفشي الجريمة، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ومعدلات البطالة القياسية (33 في المائة).

التفاؤل مؤجل حتى إشعار آخر

يظل التفاؤل بمسقبل مزدهر معلقا، خاصة وأن حصيلة جنوب إفريقيا في مجال تنفيذ السياسات في ظل الإدارة السابقة التي هيمن عليها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي لا تبعث على الرضا في ظل رزوح ملايين الأشخاص تحت عتبة الفقر، واعتماد 28 مليون شخص على المساعدات الاجتماعية للبقاء على قيد الحياة، بعد ثلاثة عقود من نهاية نظام الفصل العنصري.

كما أن الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء وجمع النفايات يثير بشكل مستمر غضب عشرات الملايين من السكان، بسبب العجز في إنتاج الطاقة والأعطاب المتتالية في محطات الطاقة المتهالكة، إذ تعاني جنوب إفريقيا منذ سنوات عديدة من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي.

وبالنظر إلى التحديات العديدة التي لا تزال تنتظر هذا البلد والحصيلة “المتواضعة” لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي حتى الآن، يرجح العديد من مواطني جنوب إفريقيا ألا تتوافق الحكومة غير المتجانسة بشأن سياسات مولدة للنمو تستفيد منها الفئات المهمشة ومنخفضة الدخل.

كما أن الشكوك ما زالت تحوم حول قدرة هذه الحكومة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، ليكون قدر الجنوب إفريقيين انتظار ما ستؤول إليه الأمور في ظل الوضع القائم.

تابع آخبار تليكسبريس على akhbar