ماذا أعددتم للحرب يا أولي الألباب؟

 وقاحة قل نظيرها وأسلوب مقيت، قابلت به الجزائر الوفود المغربية من رياضيين وإعلاميين، منذ أن وضعوا أقدامهم لأول يوم في مطار وهران، لائحة طويلة من الممارسات الشنيعة كابدها المغاربة في رحلة الجحيم تلك، بدءً بطرد الوفود الصحفية وترحيلها إلى تونس. مرورا بظروف الإقامة المزرية، التي كانت في انتظار رياضيينا. ناهيك عن حرمان الفائزين منهم من تدوين أسمائهم على الشواهد التي حازوا عليها، ليصل الفجور مداه بالنظام العسكري، حد تقزيم النشيد الوطني المغربي حينا، وتغيير اسم المغرب حينا آخر.

عداء مزمن وكفر بمبادئ الأخوة والدم، وتنكر لأواصر الصداقة وحسن الجوار، فلتذهب كل مبادئ الكون إلى الجحيم، ولتسقط كل الأعراف الديبلوماسية عندما يتعلق الأمر بإهانة المغرب، شعار رفعته طغمة الجزائر ومتملقوها الأذلاء داخل الصحافة والإعلام، واللجنة التنظيمية لألعاب البحر الأبيض المتوسط التي تحتضنها وهران.

لكن الأدهى والأمر من كل ذلك، هو أن الشعب الجزائري وضع بصمته على هذه الحملة البئيسة ضد المغاربة. ففي الوقت الذي انتظرنا أن يستنكر الجزائريون خبث نظامهم، وممارساته الحاقدة ضد الرياضيين المغاربة، كان الاستغارب كبيرا عندما انطلقت صافرات الاستهجان يوم الافتتاح في وجه المغاربة، أثناء ولوجهم أرضية الملعب، لترافقها هجمات مهولة من التدوينات المغرضة على منصات التواصل الاجتماعي، تضمنت مزيجا نتنا من التدليس والتحريض، بكل المفردات المشينة والمعاني الساقطة على المغرب والمغاربة.

ومثل ما توقعنا وحذرنا على تليكسبريس في أكثر من مناسبة، جاءت ألعاب وهران لتؤكد أن يقيننا بكون حكام المرادية قد تمكنوا من مسح أي علاقة اخوة وتسامح مع المغاربة، هو أمر واقع تجلى اليوم بكل وضوح.

لقد كنا محقين عندما أطلقنا صافرة الإنذار من سلوكيات جديدة ظهرت على خطاب الشعب الجزائري، حيث كانت قناعة نابعة عن رؤية براغماتية، أثبتت التجربة صحتها خلال الأيام القليلة الماضية. نعم نجح كابرانات فرنسا في زرع حقد رهيب بداخل كبد الرأي العام الجزائري نحو المغرب، عداء معلن وصريح لشعب رفض إلا أن يؤكد لنا اليوم بشكل لا يدع مجالا للشك، أنه قد أسلم فكره لآلة الدعاية العسكرية، وأصبح مستعدا لفعل أي شيء خبيث ضد الأمة المغربية. لكن في المقابل، ماذا اعددنا لمواجهة هذا الكم الكبير والجارف من الحقد والخبث الجزائري؟

أين هي استراتيجية الدولة في هذا المجال خصوصا وأننا في حرب منذ خمسين سنة، حتى أصبحنا نرى بأم أعيننا مواقع وجرائد رسمية وحزبية ومستقلة، تنقل الأخبار الزائفة الموجهة من قصر المرادية ضدنا، تتداولها وكأنها حقيقة؟. نحن اليوم وبكل صراحة ويقين، أمام فشل اعلامي مغربي لم يحصل له مثيل في التاريخ، فشل وانهزام وتدني المستوى المعرفي والسياسي والمهني لبعض الصحافيين المغاربة.

نحن أمام كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعد ان صنعنا جيلا من الضباع التي تلهث وراء الفضيحة والمبارزة والسب والقذف والروتين النومي، والاستعراض الجسدي والجنسي.

يبدو أننا في حاجة ملحة إلى القيام بوقفة مع الذات، وإعادة تقييم المشهد الإعلامي والصحافي، الذي صار مشتتا، تائها بدون أفق أو خارطة طريق، عاجزا عن الخروج من قمقم الريع، لايستطيع مواكبة التحديات التي تكابد المملكة بكل حزم لرفعها، إعلام يستنزف ميزانيات ضخمة بدون أن يظهر أية قابلية للتغيير، وكأنه آت من زمن آخر غير هذا الذي نعيشه اليوم.

معادلة مركبة لايستحق المغرب أن يبقى رهينا لحساباتها الضيقة، فبين عدو نجح في تجنيد شعبه وصحفه ضد المملكة وتحويله إلى ناطق بلسان النظام العسكري، وبين إعلام غارق في متاهات الريع والتقاعس، توجد علامة استفهام كبرى معلقة تنتظر الإجابة.. ما الذي ننتظره لنعيد بناء مشهدنا الإعلامي بما يشرف تطلعات الوطن، و يقف سدا منيعا في مواجهة آلة الدعاية العسكرية التي تنهل من مداد المستعمر القديم؟. ندق ناقوس الخطر الداهم، خطر الموت البطيء للإعلام المهني المواطن الوطني، الذي كان لسنوات رافعة أساسية تواجه بكل شجاعة وتفانٍ وقوة الهجمات التي يتعرض لها الوطن.