الجزائر…نظام العسكر يحرق الغابات لتجريب طائرة روسية مستأجرة

حطت مساء الأربعاء طائرة إطفاء روسية من طراز “Berieve BE 200” في مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة، لاستخدامها في إطفاء حرائق الغابات في الجزائر، جاء ذلك حسبما أفادت وكالة الأنباء الجزائرية.

الطائرة “المعجزة” التي أحيطت بهالة من القدسية من قبل أبواق الدعاية الجزائرية، خُصص لها استقبال حار يليق بمراسم استقبال كبار الشخصيات العالمية، حيث كان حاضرا عند وصولها وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية كمال بلجود، والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف وعدة مسؤولين في كوريا الشرقية.

وكانت الجزائر قد شهدت العام الماضي حرائق غابات، عجز كبارانات فرنسا عن إطفائها. ورغم ان المغرب، وبتعليمات من جلالة الملك، عبأ طائرتين من طراز كنادير، للمشاركة في عملية الإطفاء، بمجرد الحصول على موافقة السلطات الجزائرية، إلا أن هذه الأخيرة رفضت العرض وفضلت التضحية بأرواح المواطنين وبآلاف الهكتارات من الغطاء النباتي خاصة في منطقة القبائل، التي تعتبر معقلا للمعارضة الشرسة ضد نظام العسكر، المتحكم في رقاب العباد وخيرات البلاد منذ انسحاب فرنسا من مقاطعتها الإفريقية…

وكما افتعل نظام العسكر حرائق الصيف الماضي، نكاية في سكان القبائل، لأجل القضاء على آخر جذوة للحراك الشعبي المناهض للطغمة العسكرية، لجأت هذه الأخيرة قبيل الإعلان عن وصول طائرة إخماد الحرائق الروسية، إلى تكرار نفس السيناريو، حيث سجلت ولاية سكيكدة، منذ يوم الثلاثاء 14 يونيو 2022، عدة حرائق في مناطق متفرقة على غرار منطقة بولقرود وبيسي ومزرعة بوكرمة اسماعيل، وبوقاعة، ودم البقرات وقرية احمد سالم…

وخلفت هذه الحرائق ضحيتين بالإضافة إلى إحتراق مساحات شاسعة من الأشجار المثمرة والغابوية. وعلى إثر ذلك أمر وكيل الجمهورية لدى محكمة سكيكدة بفتح ما سمي بـ”تحقيق معمق حول ملابسات الحريق، حيث توصل البحث والتحري إلى أن اندلاع هذا الحريق راجع إلى رمي سيجارة من طرف أحد المواطنين وهو المدعو (ع.م) حيث اعترف عند سماعه بأنه كان يقوم بأشغال رفقة أخيه (ع.س) بالمنزل المهجور، الذي يتوسط حقول القمح، ويتعاطى سيجارة والتي قام برميها من النافذة خارج المنزل.”

وكشفت بعض المصادر ان رواية النظام هذه السنة، تختلف عن سيناريو السنة الماضية، حيث ان سياق إفتعال هذه الحرائق مختلف. فإذا كان السبب الحقيقي لوقائع الصيف الماضي هو إحراق منطقة القبائل وردع سكانها المعارضين للنظام العسكري، ووضع حد لما تبقى من مظاهر الحراك الشعبي في الجزائر، فإن الدوافع الحقيقية هذه السنة هي تجريب الطائرة الروسية التي استؤجرت لمدة ثلاثة أشهر، من 15 يونيو إلى 15 شتنبر المقبل، وحتى لا تبقى في حالة عطالة ولتبرير الصفقة التي ابرمها جنرالات الجزائر مع الروس، فإن سيناريو الإحراق كان منتظرا خاصة ان موجة الحرارة لم تصل بعد إلى مستويات يمكن ان تتسبب في هكذا حرائق..

وإذا كان نظام العسكر قد اتهم المغرب في إشعال نيران القبائل العام المنصرم، لأسباب يعرفها القاصي والداني، والتي كانت مقدمة وحجة واهية لقطع العلاقات مع المملكة، فإن مبررات هذه السنة تختلف بعد ان تعرت سوأة  الطغمة العسكرية ولم يعد أحد يصدق أكاذيبها وادعاءاتها، سواء داخل الجزائر أو خارجها، مما جعلها تلبس التهمة للمواطن (ع.م) وادعت أنه اعترف بفعلته عند استنطاقه !

وتم تمرير هذه الكذبة لتبرير الصفقة التي كلفت خزينة الجزائر ملايير الدينارات، لكي لا يتعرض الكابرانات لانتقادات الشارع الجزائري، وحتى يتم تدارك التأخير في تنفيذ ما وعد به تبون العسكر الشعب الجزائري العام الماضي بانه “أعطى تعليماته لاقتناء أربع طائرات إطفاء من طراز Berieve BE 200 في أقرب الآجال” ..

إلا أن عبارة “أقرب الآجال” يختلف مدلولها لدى نظام العسكر، وها هي قرابة سنة قد مرت على أحداث الصيف الماضي المأساوية، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 65 شخصا من بينهم 28 فردا في الجيش، دون ان تصل الطائرات، والأدهى والأمر هو ما جاء على لسان وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية كمال بلجود، خلال “مراسم استقبال” الطائرة الروسية حيث قال بالحرف :”.. عاينا أن الوسائل التي تتوفر عليها للجزائر لم تكن كافية لمواجهة مثل هذه الحرائق ذات الحجم الاستثنائي”، مشيرا إلى أنه وبناء “على تعليمات من الرئيس عبد المجيد تبون، تم اللجوء إلى حل الاستئجار لدى بعض الدول في العالم وكان هناك رد من دولة واحدة واليوم هذه الطائرة موجودة هنا في الجزائر”!

تصريح يكشف بالملموس بأن أرواح المواطنين لا تهم الكابرانات، الذين انتظروا عاما لاستئجار وليس شراء طائرة واحدة، رغم ريع الغاز والنفط الذي يفضل نظام العسكر إنفاقه على مرتزقة البوليساريو، وشراء ذمم بعض الدول التي لاتزال تحن إلى عهد الحرب الباردة البائد…

يشار إلى أن الرئيس الجزائري المعين، عبد المجيد تبون، وضع نفسه في موقف محرج، عندما أشرف يوم الاثنين المنصرم، على افتتاح النسخة الخامسة والثلاثين من معرض الجزائر الدولي، حيث توجه إلى رواق المصنع الأمريكي ” لوكهيد مارتين” ليطلب منه تزويد بلاده بطائرات لإطفاء حرائق الغابات، غير أن عدم معرفته بأنواع تلك الطائرات جعله يطلب منهم اقتناء طائرة “كنداير”، التي يملك المغرب مثلها والتي تتولى تصنيعها كندا لا الولايات المتحدة.

وبث التلفزيون الرسمي الجزائري هذه الفضيحة، حيث ظهر تبون العسكر وهو يتحدث إلى أحد العارضين الأمريكيين قائلا “أتمنى لو كان من الممكن أن تقدموا لنا عرضا بخصوص طائرات إطفاء النيران”، مؤكدا أن الأمر “مستعجل جدا”!، قبل أن يضيف أنه يريد عرضا بخصوص طائرات “كنداير”، وفي “حال ما كانت تتوفر مثل هذه الطائرات حاليا لدى الشركة العارضة فبإمكان الجزائر اقتناؤها حالا أو على الأقل كراءها”.

وفي محاولة فاشلة لإظهار أن طلبه لطائرات “كنداير” نابع من معرفة جيدة بالأمر، ردد تبون العسكر “أنا أفضل الطائرات المتعودة على إطفاء الحرائق”، قبل أن ينجح العارض الأمريكي في تصحيح المعلومة للرئيس الجزائري بشكل ودي وباللغة العربية حين أخبره أن طائرات “سي 130″، أي التي تصنعها شركة “لوكهيد مارتين” الأمريكية، تستخدم في كاليفورنيا وفي أماكن عديدة…

إلا أن تبون العسكر وقع في خطأ آخر عندما اشترط أن يجري توفير الطائرات التي تستعمل مياه البحر لا المياه العذبة، والحال أن هذا النوع من الطائرات يقتضي وجود مسطح مائي بمعايير مُحددة لتحميل المياه إلى مكان الحريق، بغض النظر عما إذا كانت المياه مالحة أم عذبة، لأن الحرائق تشب غالبا في غابات ومناطق بعيدة عن البحر…

وعندما انتبهت وكالة الأنباء الرسمية إلى الخطأ الذي ارتكبه تبون العسكر بحضور سفيرة واشنطن بالجزائر، إليزابيث مور أوبين، تفادت ذكر طائرات “كنداير” في قصاصتها،  حيث أشارت إلى أن تبون “لدى توقفه عند جناح الشركة المصنعة لطائرات سي 130 تطرق رئيس الجمهورية إلى إمكانية اقتناء أو كراء طائرات إطفاء النيران، مؤكدا أن الأمر مستعجل جدا ويمكن إتمام عملية الشراء حالا، حيث فضل أن تكون الطائرات المعنية مجهزة للقيام بعمليات الإطفاء باستعمال مياه البحر”.

يذكر أن طائرات “كنادير” تُصنع من طرف شركة “بومبارديي” الكندية، ويملك المغرب سربا منها، وهي نفسها التي عرضها على الجزائر بشكل طوعي خلال أزمة الحرائق التي اندلعت بمنطقة القبائل في غشت من العام الماضي، لكن نظام العسكر الذي كان مصرا على القطيعة مع الرباط رفض الأمر مفضلا طرق أبواب دول أوروبية أبعد من المملكة جغرافيا، حيث استأجر طائرة من فرنسا وأخرى من اسبانيا خاصة برش مبيدات الحشرات، وها هو اليوم يستأجر طائرة من روسيا بعد أن رفضت كل دول العالم تلبية طلبيته التي تقدم بها منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد بالملموس حجم العزلة القاتلة التي يعيشها بسبب سياسته العدائية ضد المغرب، وممارساته الهادفة إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة من خلال دعم وإيواء مرتزقة البوليساريو