الجزائر ..كيف يتم تهريب العملة الأجنبية في أكبر بلدان العالم فساداً

شهدت عمليات تهريب العملة الأجنبية في الجزائر تصاعداً لافتاً في الأشهر الأخيرة، بفعل تدهور الاقتصاد الجزائري.

واللافت أخيراً، بروز نوع جديد من التهريب للنقد الأجنبي، يعتمد على الطرق المباشرة عبر رحلات رسمية عكس الماضي، حينما كان تهريب العملة من البلاد يحصل عبر طرق ملتوية جعلت الجزائر تخسر المليارات من الدولار من دون أن تتحرك الحكومات المتعاقبة لملاحقتها.

واستخدمت شبكات عابرة للحدود عدة وسائل لتهريب العملات، وفي مقدمتها الدولار واليورو، أبرزها الحقائب في الطائرات وحاويات السلع عبر المنافذ البحرية.

شبكات منظمة

لا يمر أسبوع في الجزائر من دون أن تكشف مصلحة الجمارك عن إفشالها لمحاولة لتهريب العملة الصعبة، وخصوصاً العملة الأوروبية الموحدة “اليورو” الأكثر تداولاً في البلاد عبر الحدود البرية والمطارات والموانئ، ولعلّ أكبر محاولة كانت تلك التي أحبطت قبل أسبوعين عبر أحد مطارات الجزائر، حيث حُجز أكثر من مليون يورو داخل حقيبة أحد المسافرين.

ويعمل مهربو العملة الصعبة، حسب ما أورده موقع “العربي الجديد” استنادا إلى مصادر جزائرية، داخل شبكات منظمة تنشط في أربع مدن كبرى هي: دبي وإسطنبول، بالإضافة إلى باريس ومدريد، ومدن اعتاد الجزائريون التوجه إليها قصد التجارة، حيث تعرض هذه الشبكات على الجزائريين إخراج كميات من العملة الصعبة بطريقتين، إما عبر نقل العملة بطريقة مباشرة، أو شرائها في الجزائر وقبضها في إحدى المدن المذكورة.

شح الموارد والفساد يهددان “خطة تبون” لإنعاش اقتصاد الجزائر

يكشف “محمد .ر”، أحد التجار الجزائريين في محور “دبي-إسطنبول-الجزائر”، أنّ “الشبكات مكونة من جزائريين وإماراتيين وأتراك وغيرها من الجنسيات، تتصل بالجزائريين من أصحاب الأموال “النائمة” أو “المشبوهة”، وتعرض عليهم شراء العملة الصعبة، سواء دولار أو يورو، شرط أن يسلم المبلغ بالدينار في الجزائر ويتسلم الزبون المبلغ بالعملة الصعبة في دبي أو إسطنبول أو مدريد أو غيرها من المدن التي تنشط فيها تلك العصابات، وبالتالي تكون كتلة نقدية قد غادرت الجزائر بطريقة “سحرية”، وفي الأصل هناك كتلة نقدية دخلت السوق الموازية”.

ويضيف المتحدث، حسب موقع “العربي الجديد”، أنّ “سعر الصرف يكون مغرياً مقارنة بسعر الصرف الرسمي أو المعتمد في السوق السوداء داخل الجزائر، وتعتبر الطريقة آمنة لأن العملية تجري بالهاتف، أي إن الزبون يتسلم المبلغ بالعملة الصعبة، وفي الوقت نفسه يُسلم عبر أحد أقاربه أو معارفه المبلغ هنا في الجزائر لممثل الشبكة”.

طرق جديدة

أدى تغير الأوضاع الاقتصادية للبلاد، إلى مراجعة شبكات الترهيب حساباتها، وأصبحت هي الأخرى تبحث عن طرق لإخراج أموالها من الجزائر عبر مختلف الطرق، وتتحدى جميع الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة لاحتواء الظاهرة، ضاربين عرض الحائط بالترسانة القانونية والتشريعات الموضوعة من طرف الدولة للحد من تهريبها، ولا سيما في ظل شحّ الموارد المالية، بعد تراجع إيرادات الخزينة العمومية من العملة الصعبة، نتيجة انخفاض عائدات الجزائر من صادرات المحروقات خلال السنوات الأخيرة.

وحسب الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد النقدي بجامعة الجزائر، عبد الرحمن عية، فإنّ “تراجع قيمة الدينار منذ بداية سنة 2021 دفع أصحاب رؤوس الأموال مهما كان مصدرها إلى البحث عن أي طريقة لإخراج أموالهم من البلاد، لأنهم فقدوا الثقة بالعملة المحلية، فالدينار فقد 45 بالمائة من قيمته، ما يعني أن رؤوس الأموال قد تراجعت بذات النسبة، بجرة قلم، لأن البنك المركزي الجزائري هو من يتحكم في سعر الصرف ويعوم الدينار لامتصاص التضخم”.

البنك الدولي يتوقع انكماشاً حاداً لاقتصاد الجزائر

وأضاف الخبير الاقتصادي، حسب ما أورده الموقع ذاته، أنّ “ظاهرة تهريب الأموال عبر الحدود بالكميات التي تكشف عنها الجمارك والمقدرة بحوالى 6 ملايين يورو منذ بداية السنة فقط وحوالى 15 مليون السنة الماضية، من المنتظر أنها ستؤثر بالعرض، وخاصة في السوق السوداء التي تمول هذه العمليات غير الرسمية، لأن العرض سيتراجع داخلها مقابل الطلب المرتفع”.

تهريب بالقانون

واستفحل نزف العملة الأجنبية في الجزائر مع ارتفاع فاتورة الواردات التي فاقت عتبة 60 مليار دولار سنوياً قبل بداية الأزمة المالية سنة 2015، إذ لجأت لوبيات التصدير والاستيراد إلى “حيل قانونية” سمحت لها بتهريب أكثر من 100 مليار دولار في السنوات الـ15 الماضية، حسب الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد.

وبهذا الصدد، يقول رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد جيلالي حجاج، إنّ “بارونات الاستيراد يعتمدون على حيل لتهريب العملة تحميهم من المتابعة القانونية، حيث يقومون بفتح شركات تصدير واستيراد في الصين وفرنسا بصفتهما الممونين الأولين للجزائر، سواء بالشراكة مع صينيين أو فرنسيين أو وحدهم”.

ويضيف حجاج، في تصريح للموقع ذاته، أن هؤلاء “يضخمون الفواتير المقدمة للبنوك الجزائرية التي تحول الأموال بالعملة الصعبة من أرصدة شركات الاستيراد الجزائرية نحو أرصدة الشركات الصينية أو شركات من جنسيات أخرى، والمملوكة لذات الشخص، وبالتالي لا يمكن متابعة المستورد، لأنّ الأمور تجري بطرق نظيفة”.

وتابع رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد بالقول إنّ “ما جرى تهريبه من طريق تضخيم الفواتير يقدر بحوالى 120 مليار دولار منذ انفجار عمليات الاستيراد مع ارتفاع أسعار النفط مطلع عام 2000”.

الإفلات من العدالة

واستنادا إلى مصادر قانونية، كشف الموقع ذاته أنّ العدالة الجزائرية أحصت ما بين سنة 2015 و2021 ما يقارب 1900 قضية متعلقة بتهريب العملة الصعبة، وقد تورطت في هذه القضايا شركات عمومية وخاصة جزائرية وأخرى وأجنبية، وحُوِّلَت هذه القضايا على مستوى العدالة من طرف المديرية العامة للجمارك.

وأوضحت المصادر ذاتها أنّ العدالة الجزائرية لم تفصل بعد في العديد من هذه القضايا المتعلقة بتهريب العملة الصعبة، وأن الكثير من الشركات الأجنبية الكبيرة التي ارتكبت هذا النوع من الجرائم تمكنت من الإفلات من العقاب نظراً للنفوذ والقوة اللذين تملكهما هذه الشركات الأجنبية.

توقعات متشائمة لاقتصاد الجزائر

ويعتبر القانون الجزائري “مخالفة التشريع والتنظيم المتعلقين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه بأي وسيلة، جريمة خطيرة جداً، لما لها من آثار سلبية على الاقتصاد الجزائري”.

ويقرّ قانون العقوبات الجزائري “بسجن المتورطين في قضايا من هذا النوع من سنة إلى عشر سنوات، مع مصادرة المبالغ المراد تهريبها”.

وتبقى هذه المواد غير كافية حسب الخبراء في ظل غياب إرادة سياسية واضحة لمحاربة الفساد بمختلف أشكاله، فالجزائر تعتبر من أكثر بلدان العالم فساداً، حسب التصنيفات الدولية.

قوانين غير رادعة

يقول عضو مجلس المحاسبة، الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول، في حديث مع الموقع ذاته، إنّ “القوانين تبقى غير رادعة إذا كان المخالفون فوقها، وهو ما يقع اليوم في الجزائر، فالمتورطون في تهريب الأموال هم في الحقيقة أسماء مقربة من مسؤولين كبار في الدولة، وهذا ما كشفت عنه محاكمات رموز نظام “بوتفليقة” للأسف”.

وعانت الجزائر من نزف متواصل للاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، خلال السنوات الأخيرة، إذ تلخّص الأرقام التي توقّعتها الحكومة في ما يخص الاحتياطي امتداد الوضعية الحرجة لاقتصاد الدولة العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) خلال السنتين المقبلتين، إذ تشير التوقعات الرسمية إلى سرعة تآكل احتياطي العملة الصعبة لدى المصرف المركزي، بما يتعدى الخطوط الحمراء..

وفي 25 يوليو الماضي، أعلن تبون العسكر انخفاض احتياطي النقد الأجنبي إلى 44 مليار دولار بعدما كان في حدود 62 مليار دولار في فبراير 2020. ورغم قفزة أسعار النفط الحالية التي ساهمت في إعادة بناء الاحتياطي الأجنبي المنهار في السنوات الماضية، إلا ان سياسة العسكر بددت كل هذه الأموال من خلال توظيفها في معاداة المغرب ووحدته الترابية ودعم مرتزقة البوليساريو وشراء الذمم بواسطة ريع النفط والغاز والتفريط في مصالح الشعب الجزائري الذي يضطر للوقوف في طوابير طويلة كل صباح للحصول على المواد الضرورية للحياة…

عن موقع “العربي الجديد” بتصرف