خطاب العرش: اختيارنا الديمقراطي يحتاج أحزابا قوية

على الأحزاب أن تحمد الله أن جلالة الملك محمد السادس “أهدى إليها عيوبها”. لأنه القائد والملهم وحامي القوانين والدستور وحامي الوطن، ولو كان منافسا سياسيا لترك الأحزاب لحالها حتى تموت. فجلالة الملك رئيس دولة ديمقراطية يسعى لأن تكون الأحزاب في مستوى التطلعات وفي مستوى اللحظة التاريخية، التي يعيشها المغرب، وهي لحظة مطبوعة بدستور منح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة، ولا يمكن لأحزاب متهافتة أن تحافظ على هذه الصلاحيات.

فالتشخيص القوي لمرض الأحزاب السياسية يهدف إلى تقديم وصفة دواء ناجع، قبل أن تتسع رقعة الداء وتبقى حينها العملية الجراحية هي الوسيلة الوحيدة لإزالة الأورام الخبيثة. الأحزاب ضرورة مجتمعية لا يمكن السماح بتحويلها إلى وسيلة للترقي الاجتماعي المطبوع بالانتهازية.

يعيش المغرب تحولات مهمة تقتضي رؤية واضحة من الجميع خصوصا من يتطلع للحكومة أو من يقودها. لقد ركز جلالة الملك في خطاب العرش على التوجهات الاستراتيجية للمغرب، إذ اعتبر اختيارات بلدنا التنموية عموما تبقى صائبة، كما أن التطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.

ومن انتهازية الأحزاب السياسية أنها تتسابق لقطف ثمار غيرها، فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه.

غياب الأحزاب السياسية باعتبارها وسيطا بين المجتمع والمؤسسات، يدفع بالمواطنين إلى الاحتماء بملك البلاد ويشتكون إليه، من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم.

السلوك السياسي وطريقة ممارسة السياسة لدى الأحزاب دفعت المواطن إلى الكفر البواح بالمؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟. هذه السلوكات تدفع عددا من المواطنين ، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة ، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل.

ولم يخف جلالة الملك تدمره من الأحزاب السياسية، حيث أصبح غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟

وكان جلالة الملك صارما عندما قال إن الوضع لن يستمر على ما هو عليه اليوم، بل سيتم تغييره والتصدي، والكلام الملكي التزام بالخيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، ولا يمكن أن تفسده أحزاب سياسية لا تريد أن تتحمل مسؤوليتها السياسية ولا تريد تقديم نماذج بشرية مؤهلة وصادقة.