عودة إخواننا اليهود المغاربة إلى وطنهم المغرب

أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية “العلوم القانونية والسياسية” بجامعة الحسن الأول بسطات

 إن أهم ما ميز هذه السنة خصوصا بعد ما بدأ وباء كورونا في التراجع  وعادت الحياة نسبيا إلى طبيعتها، هو رجوع العديد من إخواننا المغاربة من اليهود إلى أرض الوطن، من كل بقاع العالم .

وثمن هذا الرجوع بقرار أخر حكيم اتخذ من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في المجلس الوزاري الأخير، والذي تم فيه إخراج العديد من الهيئات الوطنية التي لها ارتباط بتنظيم الطائفة اليهودية بوطنهم وبلادهم؛ يتعلق الأمر بكل من الرابطة الوطنية لليهود المغاربة ومؤسسة اليهود المغاربة واللجنة الدولية لليهود المغاربة.

وعليه، تم مأسسة الدولة المغربية لجميع أبنائها من كل الأطياف: عرب وأمازيغ ويهود، وهكذا يكون المغرب الحديث بالقيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، قد دشن مغرب التسامح المبني على الانفتاح والحوار وقبول الاختلاف والآخر.

إن هذا التنوع والاختلاف بين مكونات المجتمع المغربي عبر تاريخه الطويل هو الذي أعطى هذا البلد القوة والتلاحم، وساهم في نموه على كافة المستويات، حيث بالرجوع لمرحلة الاستعمار الفرنسي نجد، والتاريخ السياسي شاهد على ذلك، أن كل من العربي والامازيغي واليهودي عاشوا جنبا إلى جنب ودافعوا وباستماتة عن استرجاع استقلال وطنهم، وتعرضوا إلى السجن والاعتقال، فلا يمكن أن نقول على أحدهم انه أكثر وطنية من الأخر، بل كلهم على نفس المستوى من الوطنية وكلهم غيورين على بلدهم .

حقيقة أن بعض اليهود المغاربة لظروف أجبرتهم على مغادرة وطنهم لكن منهم من ظل يعيش فيه، تشبتوا به رغم ما كان يمكن أن يعانوا منه، لكن قوبلوا بالحب والتسامح والمعاملة الحسنة من إخوانهم المسلمين وعاشوا معهم في سلام وانسجام واحترام تام .

وتجدر الإشارة الى أنه حتى الذين اضطرتهم الظروف إلى المغادرة لم يستطيعوا أن ينسوا إخوانهم وأبناء عمومتهم وجيرانهم ولقنوا أبناءهم وأحفادهم لغة بلادهم الأصلية “المغربية” وعاداتهم وتقاليدهم.

 أكثر من ذلك نقلوا هذه التقاليد والعادات واللهجة المغربية معتزين بمغربيتهم وبانتمائهم للمغرب، ليس فقط في إسرائيل بل في فرنسا وأمريكا وكل بلاد العالم التي انتقلوا إليها، دون أن ننسى أن إخواننا وأبناء عمومتنا اليهود المغاربة لم يقطعوا يوما معنا  الصلة ومع المغرب، بل ظلوا في زيارات منتظمة كل سنة لبلدهم، وظل يربطهم رابط قوي ومتين مع أبناء بلادهم المغرب في كل أنحاء العالم، ودافعوا عن وطنهم المغرب ومستعدين دائما الدفاع عنه في كل المحافل الدولية ماديا ومعنويا.

إن هذه الالتفاتة المولوية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى إخواننا وأبناء عمومتنا، لم تأت من فراغ فجميع ملوك المغرب حافظوا على مكونات المجتمع المغربي ودافعوا عنها، ويكفي أن نتذكر موقف المرحوم جلالة الملك محمد الخامس في مواجهة هتلر ودعم الراحل جلالة الملك الحسن الثاني للطائفة اليهودية المغربية، أضف إلى ذلك المجهودات التي قام بها جلالة الملك محمد السادس نصره الله باعتباره أمير المؤمنين والساهر على احترام المعتقد وحراسة الدين وسياسة الدنيا لكل المؤمنين للطائفة اليهودية المغربية، حيث أعلن عن تأسيس المجلس الوطني للطائفة اليهودية المغربية، ولجنة اليهود المغاربة بالخارج، ومؤسسة الديانة اليهودية بالمغرب وذلك لترسيخ هذا الانتماء حتى يستمر ذلك الانصهار والتعايش بين كل مكونات المجتمع المغربي الذي يجمع الصحراوي و العربي والأمازيغي واليهودي والذي تنسجم فيه العربية والامازيغية والحسانية والعبرية.

إن المغرب الحديث، المغرب الديمقراطي الحداثي، مغرب القرن الواحد والعشرين، يتطلب منا جميعا من أجل المحافظة على هذا الانصهار والانسجام ومن اجل تحقيق تنميتنا، أن نعتني بثقافتنا المتنوعة والمختلفة والتي هي أساس نمونا وقوتنا، وهذا يتطلب منا الاهتمام بالثقافة ونشرها وتعميمها ودعمها.